الأحد، 15 يوليو 2018

حلوة، لم يذقها أحد من قبل





موجودة في هذا المكان منذ زمن، لا تعلم أي يد ألقت بها هنا بعناية، أو أي رياح رمتها بعفوية، لا تذكر اللحظة الأولى أبدًا. ولا يبدو أن ذلك يهمها، أفاقت وهي مدفونة تحت أرض رطبة، تفكر في ماهيتها غداً، عن كمية الأشجار التي ستنبت من حولها، وعن اللاتي سبقنهن بالإحسان، تنتظر اللحظة المناسبة لتزهر، قضت جل وقتها في التفكر في كمية الأصدقاء الذين سيحفونها، عند عدد الحيوانات التي ستتسلقها، والطيور التي ستنقر أغصانها وجذعها. تفكر في اللحظة التي تنقضي عندها الوحدة ويبدأ عهد الغابة. اللحظة التي ستزهر فيها.

لم تستطع أن تميز نوع البرعم الذي ولدته للحياة، أخضراً زاهياً، أو أنها ربما لم تنتبه له. ذلك البرعم الهش الذي يحاول جهداً أن ينبت نفسه ولو على حساب استقامته، يقاتل من أجل الحياة. ينظر إلى الأسفل، إلى بذرته الأم، يستجديها لعلها تمده بالقوة الكافية حتى يشق طريقه، بلا فائدة. ليخرج إلى سطح الأرض لينًا متقوساً نحو الأسفل، لا يستطيع الاستقامة ليرى حاضره ومستقبل أمه.

إلى أي درجة هي غبية هذه البذرة؟ ماهي الأحكام التي ستلقيها عليها البذور الأخرى؟ ما الذي كان يجب عليها فعله في تلك اللحظات الفارغة؟ ما هو الاكتشاف وأين تجده؟ من هو الملام الحقيقي في هذه المسألة؟ البذرة! أم الجهل؟ لا أستطيع لومها وهي تنتظر الغد لتعرف اليوم، لن تقدر على خلق ذكريات من العدم! وغريب أن تبني الماضي من المستقبل! في تلك اللحظات بالذات كيف لتلك البذرة أن تعيش وهي لا تعرف إن كانت حامض أو سكر! فاكهة أو خضر! لا شيء. لا شيء في ذلك الوقت سوى اللاشيء، اللاتجربة، اللامعرفة. الترقب فقط.

حينما حانت اللحظة وآن لها أن تزهر وتبصر النور، وضعت كل قوتها في تلك اللحظة، وفي تلك اللحظة بالذات بدأ حلمها يتوسع ويتضاعف، والغابة التي كانت ترى نفسها فيها أصبحت أكبر و أضخم، حينما اقترب الحلم غلت فيه. وعند الوصول لم تكن سوى نخلة في واحة صحراوية. وحدها أمام كثبان واسعة رملية. حلوة المذاق سكرية. هناك وحدها.


الثلاثاء، 5 يونيو 2018

قالوا ربنا ثم استقاموا









متى تمل من الاتكاء؟ متى نقرر السقوط؟ متى تستلم وتقول لنفسك أن ألم الارتطام أقل وجعًا من ألم الاستناد؟ متى تجيء هذه اللحظة القاسية؟ تقرر في ثانية أن لا شيء يستحق. وأن كل ما سيأتي سيكون أكثر ثقلًا فلا أنت تستطيع حمله. ولا هو قادر على أن يمضي. ربما كل ذلك يعود على مدة الوقوف. على الوقت الذي فضل الجميع فيه الهروب منك. اللحظة التي بقيت فيها لوحدك. أو قررت على الأقل أن تبقى كذلك. ومع مرور الأيام لا تدري إن كان ذلك قرارًا صائباً على الأقل في فترة ما بالنسبة لك أو لا. أم أنك كففت يدك عن الحركة ووكلت إليها مهمة وحيدة فقط، أن تسندك. لأنني أعرف بأنها يدي التي لن تخذلني، ستعرف تمامًا مقدار القوة الذي أحتاجه في كل مرة، ستشتد وتنثني بقدر حاجتي. يدي التي لن تخذلني.

لكنني في كل مرة أضعف فيها، أو يمر على يوم لا ينتهي. أتساءل، هل حان الوقت الذي أسمح فيه لكتفي أن يستريح؟ هل سأستقيم بعدها؟ هل سأكون قادرة على تذكر كيفية الوقوف؟ أخشى السقوط كثيرًا، ولا أحب الوصول إلى القاع. أكرهه. الوصول إلى تلك النقطة ضعفاً، و أنا لا أحب النسخة الضعيفة مني أبدًا. أخاف. أخاف حتى من التجربة. فتظل هذه الأسئلة كغيرها من الأسئلة التي تعلق في مخيلتي بلا جواب. أفتش عن حل ولا أجد. المشكلة أنها بلا أجوبة وفي نفس الوقت باحتمالات. وهو شيء أخر أخشاه في هذه الحياة. المنطقة الرمادية التي بلا حياة، لا تنتمي لأي فئة من الألوان، تجدها في كل لون مرة. أخافها و أشمئز منها. حدد لي لونًا واجداً/ كمطقة محدودة، لا ترمي بي إلى مناطق الاحتلال التي لا تدري إلى من تنتمي. وما هو التاريخ وما هو المستقبل.

هل أنا أقسو على نفسي؟ أمنعها من خوض تجاربها الخاصة بها. أن تتعلم وتستفيد في كل مرة من درس جديد. أم أنني أفرض عليها عدم تكرار التجارب مرة بعد أخرى. أن تتوقف عن السقوط في نفس المكان كل مرة. أدفع بها مستندة إلى نفسها علها تمشي، تتغير، تتقدم، أن تبصر مشهداً واضحاً حينما تسأل عن مكانها في السنوات الخمس القادمة. تمشي هناك في ذلك المكان المرتفع البعيد، تمشي غير متكئة.

السبت، 25 مارس 2017

يا ليتني مت قبل هذا






لابد وأن قال أحدهم لك ناصحًا: واجه مخاوفك! تغلب عليها، عش معها منتصرًا. لا أدري عن مدى صحة هذا الكلام! لم أجربه في حياتي قط. كل مخاوفي بعيدة الأجل. لا أستطيع اللحاق بها ومواجهتها. في الحقيقة أنني أخشى أن تقترب هي ناحيتي. لا تنطبق هذه النصيحة على كل المخاوف، فبعضها لو أقبلنا إليها مقاتلين خارت قوانا قبل أن نصل. شكلها الوحشي وهي تقف بشموخ أمامنا مخيف بحد ذاته. الغريب أنها تكبر وتنمو حتى بدون أن تسقيها أو تطعمها، بل لا أدعها تأكل من خشاش الأرض. أعرض عنها متناسية وجودها، علها تموت، تفنى، تتلاشى. لكنها تأبى. أظل أقول في نفسي لو أنني كنت سببًا بسيطًا في وصولها إلى هذا الحجم من الحياة لوجدت شيئًا ألقي عليه اللوم. شيئًا أقول إنه السبب في كل ذلك. لكنني واللوم تائهين ضائعين.

لا يوجد في هذه الحياة خوف أخبث من الخوف من مواجهة مخاوفك. خوف مولود في رحم خوف. عاش في ظلمات سبع. القلق، الشفقة، الأذى، الضعف، الحزن، الألم، الوحدة، وأخيرًا الضعف والاستسلام معًا، في ظلام واحد. مخاض هذا الخوف لن تنفعه نخلة مريم عليها السلام، لكنك ستكون وحيداً تصارعه كما كان حالها. ولن تجد أحدًا يعاونك على الحديث كما فعل من كان في المهد صبيا. ستكون وحدك تحمل ذنب خوفك كالعار الي يشتمك به الآخرون.

لا حيلة لك هنا أبدًا سوى أن تنتظر ذلك النداء الذي يأتيك من سماء سابعة، يطلب منك أن ألا تخاف ولا تحزن وقر عينا. وما أعظمها من حيلة. 

الأحد، 6 نوفمبر 2016

عُمرة





الثلاث أيام الماضية كنت أسبح وحدي – ولأول مرة -  في بحور الروحانية، أثني أصابعي لأعد أشواط الطواف وحدي، لم يصاحبني أحد، ولم يعكر صفو عمرتي سؤال عن عدد، كنت أطوف، وأسعى، وأناجي الله وحدي. أشعر وكأن هذه الدنيا قد خلت، وبقيت هناك أدور حول الكعبة رافعة بصري نحو السماء، أصعد نحوها في كل دورة.  اقترب من الله أكثر وأكثر. في هذه الرحلة عرفت معنى أن تولد من جديد، قصصت أنا القديمة مع خصلات شعري المتناثرة حينما أنهيت عمرتي. حملت معي ذاتي وانطلقت أجوب الساحات وأدور تحت المآذن، أقسمت ألا أفوت على نفسي أصغر التفاصيل، جلبت كل شعوري ورميته هناك في صحن المطاف مرة واحدة. ثم جمعته مرة أخرى على مهل، جمعته حينما وقفت لأصلي أحد الفروض عن يميني إندونيسية وعن يساري مصرية من الصعيد، وبجانبها قطرية وتليها تركية وهكذا حتى انتهى الصف، نقف كبنيان مختلف ألوانه، لذة للناظرين. حينما كنت أتأمل عجوز يتكئ على عصاه، بظهره المقوس، يطوف الكعبة راكعًا. وجمعته في اللحظة التي تلي انتهاء الآذان، وفي لحظة آمين، في هديل الحمام، وفي تسليمة صلاة الميت إلى اليمين. عادت مشاعري مغسولة بالماء والثلج والبرد.


هذي ليست زيارتي الأولى إلى مكة ولن تكون الأخيرة إن شاء الله، لكنني كنت عمياء في كل المرات السابقة، أطوف وأسعى وأصلي لأنهي ركن، وكأنني أقطع حديقة مسرعة لأصل إلى موعد تأخرت عنه. لم أمنح نفسي فرصة الالتفات، التوقف للحظة واحدة متأملة جمال المكان. لذا في هذه المرة فقط وجدت نفسي التي كنت أريدها، التي كانت مطمورة بفعل السنين، لا تقوى على التحرك ولا الخروج ولا حتى الموت، ملقاة على أطراف رحلة! أسقيتها ماء زمزم فاهتزت وربت. 

الأربعاء، 31 أغسطس 2016

أنا عادية






لازلت في نفس تلك الغابة التي تركتني فيها آخر مرة.

يظن الناس بأنك قد أحسنت إلي حينما ذهبت بي إلى هذا المكان، الجميع يعتقد أنني أعيش فيها كحلم أبيض، يخيل لهم أنني أرقص مع الأقزام السبعة كما في قصص الأساطير. لكنك تعلم بأنني لست بياض الثلج، ولا أملك فستان جميلًا، ولا أنتظر فارسًا ينقذني من التفاحة المسمومة. لا يوجد في الحياة أساطير ولا أميرات ولا أقزام. وحتى تلك الغابة التي يتحدث عنها الناس لا أستطيع الوصول إليها. أعيش هنا في منتصفها محاطة بأسوار لا أقترب من شيء ولا شيء يقترب مني، ولا أستطيع أن أهز إلي بجذع النخلة، قطوفها نائية، لا حول لي فيها ولا قوة. ما الذي تحاول الوصول إله من خلال لعبتك الخبيثة هذه؟ وضعتني في النعيم وحرمتني منه! بترت ذراعي فلا جدوى لي من مد يد العون لنفسي! ظلمتني وكسرتني ورميت بالذنب علي. تستر نفسك بملامتي.

يا لخبثك! لمَ لم أفكر بحيلتك من قبل؟ لمً انتظرت أن تحل علي العاقبة من السماء! كيف استطعت أن تجمل نفسك بتعاستي؟ ما الذي فعلته من قبل لأحصل على حياة غريبة مغلفة بهذه الطريقة؟ ما هو الاثم العظيم الذي اقترفته سابقًا؟ هل أنا مغفلة حين كنت أنظر إلى نفسي بأنني فتاة عادية جدًا؟ المشكلة أنني أنظر إلى نفسي بهذا المنظر حتى الآن! لست سوى فتاة عادية إذا أحبت شاركتها حواسها، وإذا كرهت واستها عينها، وإذا ضاق صدرها أهدت شخص يحبه قلبها، تحاول أن تذكر التفاصيل فتفشل، ترغب دائمًا بأن تكون أفضل، وتنسى في صبيحة يوم جديد ما أبكاها البارحة. هل يا ترى هذه أسباب كافية، أو ذنوب غير مغفورة حتى تضعني في قصص الأميرات وتفقدني سحري وتجردني من مملكتي؟!

دائمًا هناك أسئلة معلقة


السبت، 18 يونيو 2016

عنوان فارغ







ولدت بيد ممدودة، تأبى أن تربت على قلبي.


منذ الصغر و أنا لا أجيد مجابهة العواصف، أركض وأصرخ بصوت مبحوح، وحينما تخور قواي أنحني لأفرغ ما في قلبي، أنحني حتى يصبح ظهري هشاً،  ثم أستقيم. مهما كانت قوتها ومهما طالت مدتها هذه هي الطريقة الوحيدة التي أعرف، أو التي أجيدها بشكل أصح. لا أفوت فرصة أطلق ساقي سريعًا بدون تفكير. أسبق العاصفة، أتخطاهم، أرفعها عاليًا وأوقعها أرضًا، لا يهمني كل ذلك في تلك اللحظة، المهم أن أصل إلى تلك اللحظة الغبية التي يفرغ فيها قلبي.

أفكر دائمًا، لو أنني ولدت بذراعٍ سليمة، ويد لينة ، تلتف لتتلقف قلبي، تفرغه مما فيه ليظل الهدوء الذي يسبق العاصفة، أن تجعل العاصفة لا تصل أبدًا. ما الذي جعلها ممدودة قاسية على نفسها دائمًا، بلا مفاصل! كيف وصلت إلى هذه الحال، كيف أصبحت أسبق كل شيء حينما أركض، أسقط كل شيء ، ألا أشعر بأي شيء. من الذي جمد ذراعي لتصبح ممدودة هكذا بكل غباء ؟

أقنع نفسي بعد الانحناء والاستقامة أن العاصفة هي سبب كل ذلك، أن ساقي تجاريها، ويدي تصول وتجول في معركة معها، ليس الذنب ذنبي، أنا مجرد فتاة تحمي نفسها، تنقذ نفسها، تصل إلى ذلك الهدوء الذي تحبه بالرغم من جميع العواصف التي تسكنها، ليس من الممكن أن أتعايش مع جنون خارجي وداخلي، أريد السلام في أي جهة كانت. على الأقل أن أنصت إلى الضجيج من جانب واحد، أن أكون بيد ممدودة فقط، ولا أضيف إلى نفسي أذن صماء. أكتفي بإعاقة حياتية واحدة.


يبدو الكلام طويلا، ولا أجد له خلاصة لأخرج بفائدة، ولا أستطيع أن أجد النهاية لأقفله. لكن لو مررت في يوم ما بعاصفة ما ورأيت فتاة حمقاء تمد يدها بغباء، انتشلها. ستعود تلك اليد عليك بالنفع لا تقلق.

الثلاثاء، 12 أبريل 2016

أعطني طوق نجاة








أقف أمام شاطئك، متأملة ألوانك الهادئة التي أحبها جدًا، أستمع إلى صوت احتضانك لي بلهفة, شفافيتك التي تمكنني من رؤية وجهي وصدفاتك في آن واحد.  تلك هي الرقة التي عهدتها منك. لكنها دائمًا تقف في هذه المنطقة. أمام الشاطئ فقط. قبل تلك المنطقة الواسعة المجهولة الداكنة الغامضة التي تخيفني جدًا. تلك المنطقة التي تنتهي عندها تدرجات لونك الأزرق – وهو بالمناسبة لوني المفضل – لتصبح سوداء بشكل مريب.

كيف لي أن أحبك و أكرهك في الوقت ذاته, أحب بدايتك وأكره نهايتك؟ ما الذي يجعل قلبي غبيًا أحمقًا يرتجف خوفًا حينما يسير في تلك المنطقة المظلمة. أمشي فيها بخفة محاولة ألا أقع ألا أميل ألا أغرق في أعماقها. ألا أخوض معركة مع مياه مالحة , معركة لا أجيد السباحة فيها. كيف لك أن تجمع قلبين في جوفي؟ أن تصنع المستحيل وتقلب موازين الحياة ؟


لو أنك تدفنني داخلك، تجعل من نفسك جزيرة بشواطئ خلابة فقط. أو أن تقلب نفسك تحول ملحك الأجاج إلى عذب فرات، علمني السباحة وقرب إلي عمقك البعيد. فكر حاول أن تجعلني أتخطى هذه البقعة بسلام. حاول أن تقتلع مني أمنية سخيفة أتمناها كل ليلة. اجعلني أنتمي إلى هذا العمق ولا أتمنى أن أعود إلى الشاطئ أبدًا.

الأربعاء، 20 يناير 2016

قلبي مثل غيمة, لكن كسر




قلبي مثل غيمة, غيمة كبيرة جداً, بيضاء جدًا. وهش كقطعة حلوى قطن ملونة, دبقة تبقي أثرها على كل من يمر بها، تلصق بعضًا من سكرها عليهم. لم يكن يزعجني هذا الشيء بتاتًا, كنت أعلم يقينًا أن حجمه الذي يتقلص يوم بعد يوم سيرد في حين آخر. سترجعه تلك الأيادي الدبقة مرة أخرى. لم يكن في الحسبان أن تلك الأصابع ستلعقها أصحابها. يتنكروا من ذلك الطعم اللذيذ جدًا ويتركوني بقلب صغير جدًا ومكسور. قد يكون ذلك الخطأ كله خطأي. الأكيد بأنه خطأي ، أحيانًاً من الغباء أن تجعل من قلبك حلوى, أو غيمة, أن تحول قلبك إلى أشياء ثمينة, رطبة, أن تجعل قلبك مجرد ذكريات طفولة, أو بضع قطرات مطر يهرب الناس منها خوفاً ضاحكين. قلبي لم يكن ضعيفاً, أبدًا , لم يكن هزيلًا, بقدر ما كان حاويًا. أبدًا, أبدًا ..

قد يبدو من الأصح أن يبقى هذا القلب مجرد غيمة مكسورة, لا تعطي ولا تأخذ، أن تلقي ظهرها لأولئك الذين لا يهتمون ولا يلقون بالًا، ألا تسأل تلك الغيمة وتظل صامتة, تتحاشى, يحق لها أن ترسم على وجهها علامة العدم والازدراء واللاتقبل. ألا تظل تحوم فوق تلك الذكريات والمواقف التي كانت ترعد وتبرق فيها، ولا تندم عليها. يبدو كل ذلك رائعًا.

لكن السؤال الذي يحوم فوق رأسي. لم يكن عن كيفية كسر تلك الغيمة! بل هل ستظل هذه الغيمة مكسورة ؟ وهل لو ظلت كذلك ستكف عن المطر وعن كونها حلوى دبقة ؟


الأربعاء، 20 مايو 2015

أطعموني , أطعموني ..








كنت صغيرة جداً , أقف بقامتي القصيرة خلف طاولة في مكان ما , تحمل فوقها علبة كبيرة من الحلوى المغلفة , تلمغ أغلفتها بشكل ساحر . كنت أقف بتردد , أريد وبشدة أن أسرق واحدة . لكن شيء في داخلي خائف من التجربة . ينظر إلى تلك الأغلفة الملونة بشيء من الريبة . اقتربت علي أكسر هيبة هذا الخوف الذي يحيط بي من كل جانب , مددت يدي و اخترت ما استلذذته منها . أمسكتها بحماس , أنظر لها بفرحة كبيرة . وقبل أن أجربها مد أحدهم يده نحوي وسحب مني متعتي الصغيرة . وأخذ العلبة بأكملها ورفعها فوق رف بعيد . في تلك اللحظة لم أكن أعرف ما الخطأ الذي وقعت فيه . أو ما هو الذنب الذي يغلف تلك الحلوى .

كبرت قليلًا ، ولازالت تلك العلبة عالقة في ذهني , في كل مرة أمر من تحت ذلك الرف أرفع عيني نحوه , محاولة أن أسترق نظرة ، أن أجرب طعم تلك الحلوى مجازيًا . في كل يوم يزيد الفضول لدي ، حتى أتى ذلك اليوم الذي سحبت فيه كرسيًا لوحدي , وكان عملًا كبيرَا على أن أقوم به وحدي ! كنت فخورة بنفسي بعض الشيء . صعدت فوق الكرسي ومددت يدي نحو العلبة . أستطيع أن أختار أي قطعة أشاء . فضلت هذه المرة أن أختار واحدة تختلف عن سابقتها ، فربما كان الخطأ فيما اخترت ! أمسكت بوحدة وحاولت أن أختصر الموقف وأضعها في فمي مرة وحدة . لكن القدر يأبى . فهاهو شخص يتدخل وينزع مني هذه التجربة الجديدة ويضعها في مكانها . نظرت إليه بعينين حازمتين , وسألته هذه المرة عن السبب ؟ ما الخطأ في أكل الحلوى ؟ ابتسم لي وأخبرني أنه يخاف علي , يخشى أن أتألم , أن ينخرني السوس . يبدو أنني تفهمت الموقف ونزلت من الكرسي مستسلمة . لازلت صغيرة والخوف والخشية علي أمر طبيعي , أو هكذا أقنعت نفسي . أما بالنسبة له فقد أخذ العلبة وخبأها في مكان ما .

في المرة الثالثة وحينها صرت كبيرة , كنت أترفع عن أكل كل الأنواع بحجة أنهم قالوا لي بأنها مضرة وأنهم يخافون علي . لا أنكر أن رغبة التجربة لا زالت تلح علي بالبحث ، وهذا ما يجعلني أتناسى موضوع المضرة وأذهب لأبحث عن مكان العلبة , أفتش في كل زاوية , أبعثر كل شيء علي أجد ضالتي , ووجدتها فعلًا . أمسكت بها , بدون مساعدة من أي كرسي وبدون أن تكون فوق طاولة . كانت في حوزتي . تحمل جميع الأنواع . تحيرك فيما تختار . تغاضيت عن كلتا القطعتين اللاتي اخترتهما سابقًا , لا أريد أن أفوت الفرصة في تجربة أخطاء سابقة . واخترت واحدة جديدة . وكما هي العادة . رجعت الحياة لتكرر نفسها , ليسرقها شخص مني لنفس الحجة . وقد أملى علي حجته قبل أن أسأله عن السبب , ربما لأنهم يعتقدون بأنني كبرت بما فيه الكفاية لأعرف سبب المنع . رأيته يأخذ العلبة بعيدًا عني . بعيدًا جدًا . إلى مكان لن أعرف على الأقل في هذه الفترة من عمري .


حينما اختفى وقفت متسائلة , ما العيب في أن نجرب اقتراف أخطاءنا ؟ ما هو المانع في أن نتعلم من ذنوبنا ؟ أن يكون لنا حق في أن نعيش ؟ نجرب ؟ نخوض حكاياتنا بأنفسنا ؟  أ لن يكون الدرس أقسى هكذا ؟ غير قابل للنسيان ؟ راسخُا في الذهن ؟ لمَ نحكم على تجارب الأشخاص اعتمادًا على أخطاءنا ؟ دروس الأمس لا تنفع لطلاب اليوم , وربما دروس الغد لا تنفع لهم أيضًا . عيش اللحظة وعيش اليوم وعيش الحياة هو ما يناسب الجميع . 

الأحد، 17 مايو 2015

بلغ أشده











تمضي السنوات ونركض في طرقات الحياة لاهثين ، متجاهلين كل التغيرات والأحداث التي تحدث من حولها ، نقف في مرحلة ما فنرى انعكاس أنفسنا الذي تغير كثيرًا . لدرجة أننا قد تقف وتتساءل من أنا ؟ وكيف أصبحت هكذا ؟ أين وضعتني آخر آخر مرة أو بالأصح أين أضعتني ؟ لا ندري ما هو الانعطاف الذي حدث معه كل هذه التغيير ، ولا في أي نقطة من الحياة كبرنا ! جل ما نعرفه أنه – مثلًا – الأشياء التي كنت أحبها قبل سنة أصبحت لا تهمني . أكره شعور الكبر ، و التخلص من صغائر الأمور وتوافها ، أخشى أن تعلقني الحياة على جدران أمور لا أطيقها ، أن أبدو كلوحة لم تناسب المكان .

قد يكون الضحك والسخرية من أرواحنا السابقة الطفولية ما يجعل الأمر هينًا على الجميع ، ربما لبعد المسافة أو لمرور الكثير من الوقت ، لكن المبكي فعلاً هو أن تدرك أنك تغيرت عن البارحة فقط ، وأنك تحن لنفسك التي بالأمس . عظامك الهشة لا تستطيع أن تحمل ثقل اخترته بنفسك اليوم ، عقلك يتضخم وقلبك لا يزال لينًا ، يحدث الكثير من التصادم بينهما . القلب لا يكبر سريعًا وهو ما يتعبني جدًا .

الطفلة الموءودة التي بداخلنا ، ما ذنبها حين قتلت . كانت لا تزال ترى الدنيا بسيطة سهلة ، حقولها واسعة ـ تلعب فيها راكضة بلا ملل ، أفكارها الصغيرة الجميلة تتوسد معها ليلتها . هل من اللازم أن يحين وقت ونقذف بروحنا الصغيرة خارجًا ؟ أن تقيئها كلما أسقتنا الحياة كبرًا ؟ ألا يكل الواحد منًا من عمره ؟ هل يوجد لحظة ما في حياتي القادمة تجعلني أود أن ابتلع روحي من جديد ؟ لم ولن يصمد الكبار كثيرًا .



الاثنين، 22 سبتمبر 2014

أنا لا أتذكر ، لكنني لم أنس !




قرأت لأحد المغتربين قبل مدة فكرة أعجبتني , تتلخص في أنه يمتنع عن الحديث باللغة العربية مع صديق في حال وجود صديق أجنبي آخر , وكانت نيته هي ألا يقع في قوله صلى الله عليه وسلم لا يتناجى اثنان دون الثالث . أحببت فكرته وكيف أنه نقل للعالم الآخر رأفة الإسلام و ومراعاته ، حينها تذكرت موقفاً مشابهاً حصل لي , ربما يتشابه معه بالمقلوب . حيث أذكر انني حينما كنت في الصف الأول الثانوي – وفي ذلك الوقت كنت ضعيفة جداً في اللغة الإنجليزية – كنت أركب الحافلة للذهاب إلى منزلي وقد تعرفت على بعض الزميلات هناك . وفي يوم صيف حار أذكره جيداً , كنت أجلس مع اثنتين من تلك الزميلات نتحدث محاولين قتل الوقت للوصول إلى منازلنا سريعاً , وقتها تكلمت إحداهما بالإنجليزية مخاطبة الأخرى , مع علمها المسبق بأنني أجهل تماماً ما تقوله عندما نستثني بعض الأفعال والحروف . باختصار كانت تريد التحدث بموضوع خاص أمامي ولا تريدني أن أسمعه وفي نفس الوقت تريدني أن أعلم بذلك . أين هو الإسلام هنا ؟
وقتها كنت أنقل ناظري بينهما بماذا أقول ؟ تعجب ! استنكار ! أم أكتفي بنظرة احتقار صغيرة مكسورة , حينها فقط عرفت لمَ نهى حبيبنا عن هذا الفعل المؤذي جداً . أحسست بأنني وحيدة .. وحيدة جداً , التفت ناحية النافذة أوزع ناظري على أماكن شتى , تخترق مسامعي كلمتهم الإنجليزية المتعجرفة . بعد فترة ليست بالقصيرة سألتني صاحبة الموضوع بابتسامة غبية : ليلى ! هل أخطأنا بحقك ؟

لا أدري أين الحماقة , هل هي في صيغة السؤال ؟ أم في أنها نطقت بالسؤال ؟ ولأنني كنت لا  أريد أن أزيد الموقف حماقة قلت : حينما ترضين بما فعلت لا تهتمي بما سيفكر به الآخرون .
ما الذي يجعلنا نتمسك بأصغر الأشياء حينما نريد أن ندعو أحداً للإسلام , أو حينما نريد أن نبين لأحد جمال الإسلام , بينما يختلف الأمر تماماَ حينما نتعامل مع مسلم آخر . ربما بحجة أنه مسلم ويعرف مسبقاً كلا حديث وكل آية ؟ أعلم بأنني إذا ساعدت أحدهم على الوصول إلى طريق ديننا المستقيم فأنني سأنال أجراً كأجره تماماً , لكنني أيضاً أعلم بأن المسلم من سلم المسلون من لسانه ويده ، فنحن أولى أن نعامل بديننا قبل أن نعامل غيرنا . فربما أن الحجة السخيفة التي ذكرتها أعلاه هي من تجعلنا أكثر ألماً , حينما أعلم بأنني وأنت على دين محمد صلى الله عليه وسلم وفعلت ما نهى عنه تكون أكثر فتكاً . دائماً نتجاهل صغائر الأمور ، ونفكر بالأشياء التي نحسب بأنها سوف تدخلنا الجنة لعظمتها بالرغم من أن الدين فصل ويسر وسهل كل شيء للوصول إلى رحمة ربي وجنته ، لكننا نحب تعقيد الأمور وتقليبها . فهل أصبت حينما قلت بأن موقفي يشابه موقف المغترب ولكن  بالمقلوب ؟

وبالنسبة لزميلتيّ فبعد أن أستبعد جمال الإسلام الذي شوهتاه , فسبب تذكري لهذه القصة معلومة صغيرة قرأتها في مكان ما في عالم شبكات التواصل الاجتماعي تقول بأن نسبة لا أتذكرها من الناس سيئة في حفظ ملامح الوجه ولكنها تتذكر المواقف تماماً ، وصادف أن أكون أن قد أدرجت تحت هذه النسبة ، حيث أنني لا أذكر وجه دانه أو وجه أثير , لكنني أذكر تفاصيل تلك اللحظة جيداً . فمن باب أولى أن نحسن مواقفنا قبل أن نحسن ملامحنا , لنحافظ على ما يتذكره الآخرون بعد رحيلنا . 

الأربعاء، 16 أبريل 2014

قصة قصيرة












أجلس على ذات الكرسي كل يوم ، هاربة من ملل المكتب وروتينية الأوراق ، أحاول تجديد روحي بهواء نقي من حديقة كبيرة ، وربما ذلك السبب الأكبر في منحنا استراحة للغداء . ألقيت برأسي إلى يدي متفحصة العالم من حولي ، مترقبة ومنتظرة ذلك الحدث . وبالفعل سمعت أصواتهم قادمة من آخر الحديقة ، يتهافتون ويركضون حاملين معهم كراساتهم وألوانهم ، يتسابقون إلى المكان الذي اعتادوا أن يلتفوا حوله .عدلت من جلستي أراقبهم بابتسامة ، يصفون ماعكره العمل كل يوم ، ويجعلونني أعود إلى مكتبي بروح أخرى . ثم هاهو يتبعهم بساقيه الطويلتين ، يرسم على شفتيه أجمل ابتسامة رأيتها في حياتي . جلس إلى جانبهم واضعاً أغراضه على جنب ، ثم بدأ يعد اسمائهم متأكداً من وجودهم جميعاً كما يفعل دائماً .

ما الأكثر لطفاً ورقة من أن تكون مدرس رسم وفنون للأطفال ، وتجد أن ملامح وجهك تجيد لعب ذلك الدور باحترافية ، عيناك صغيرة باسمة ، وأنفك طويل مدبب ، وشعرك ذهبي حريري ، حتى نظرتك كانت مبتسمة . كنت تبعث السعادة للحديقة بأكملها ، وليس إلى قلبي فقط .

رفعت ساعتي إلى ناظري حتى أحسب الوقت الذي أستطيع فيه أن أتأمل هذا المنظر السعيد المصغر أمامي ، وأرى انبطاح طلابك الصغير يملئهم الحماس لرسم أشياء خيالية لا تمت للحديقة بصله . ويبدو أنني أملك وقت كافياً .

لا أمل من تكرير هذا الحدث كل يوم ، وأنا أراك ترتدي القميص الأحمر في الأيام الثلاثة الأولى ، ثم تستبدله في اليومين الأخيرين بالقميص الأزرق الذي أعشق . لا أمل من سماع صوتك وأنت تنهر أحدهم من العبث بألوان الأخر ، أو أن تمسك بأيديهم الصغيرة محاولاً أن تقوم خطوطهم المتعرجة . لا أمل من تأمل شعرك الذهبي يراقص الرياح بسعادة ، ثم يسقط ليضم عينيك بخجل . بالرغم من أنني أكره الروتينية جداً ، لكنني أحببت تكريرك لقمصانك ، وعدم تغيير تسريحة شعرك ، وحتى أنك تكرر ذات الابتسامة كل يوم .
فقط في هذه اللحظة من كل يوم عمل أتمنى أنني أمتلك الجرأة التي تقودني إليك ، أن أضع ما في قلبي بين يديك ، وأن أجعل تكمل رسم حياتي معك . فقط في هذه اللحظة أريد للعالم أن يتوقف ، وبدون كذب سأجلس كل عمري أشاهد هذا المشهد أمامي ، سأعيش على ملامحك ، وأقتات على ابتسامتك .

في كل مرة أتوق للذهاب إليك ، وأخشى أن تسحرني بردة فعلك ، فأرى صدك لي شعراً جميلاً ، وفي أسفك لوحة فاتنة ، فينتهي بي الحال إلى لوم نفسي . أتوق لأعرف ، وأخشى ذلك .  


أمنيتي الصغيرة هي أن تكون على علم بوجود الفتاة الخرقاء التي تنتظرك كل يوم ، وتدعي بأن مكتبها ممل وأوراقها روتينية . 

الأربعاء، 12 فبراير 2014

أغرق ..!














أنا لا أجيد السباحة ..
أتخبط بين أمواج الحياة صارخة محاولة أن أتمسك بيد العون التي تمد إلي ، أحاول الغناء حتى تهدأ تلك الأمواج ، بالرغم من أنني لا أجيد الغناء ولا أملك صوتاً جميلاً ، ولا أحفظ من الأغاني الكثير ، ودائماً ما أجد نفسي في وسط البحر عاجزة عن الوصول إلى اليابسة ، وكل ذلك بسبب أنني ركبت قارباً صغيراً جداً تافهاً أوصلني إلى هناك .

أنا لست حزينة ، ولا أحب الحزن ، ولا أقترب من الحزينين أبداً ، أنا مجرد شجرة قصت أغصانها اليابسة ، وراحت تسقي نفسها من جديد بأسى ، أعلم بأن في داخلي ثماراً تنتظر شمساً لتزهر وتنبت وتينع ، أعلم بأنني شجرة جذورها عميقة ،  أصلها طيب وفرعها في السماء ، تحتاج إلى الوقت فقط .

أعترف ، بأنني لا أجيد الصبر والانتظار ، وأعلم بأن في داخلي ناراً ، وأطراف أصابعي دافئة في كل فصول السنة ، وبأنني أثور في ثانية ، وأهدأ في أخرى ، لا أجيد الوقوف في وجه عاصفة الذكريات وأسقط سريعاً ، أحمل فوق رأسي جرساً يدق دائماً ، أنا قرية ريفية ، داخل مدينة صخبة  ، يحفها ضجيجها ولكن لا يعكر صفو سكاني .

بالرغم من أنني لا أجيد السباحة ، إلا أنني أجيد الركض جيداً في مضامير الحياة ، أواكب الزمن وأجري لاحقة بمستقبلي ، أرسم على جدران الزمان رسوماً ستذكر من سيأتي بعدي ، خرائط وقصائد ، أسهم وإشارات . ألون الحياة ولا أحبها داكنة أو مفرغة ، وأحمل ألواناً كثيرة ، بعض منه صنعته ، والبعض الآخر استعرته ، أدور مع الكرة الأرضية ولا أنكر ولا استنكر ، في داخلي طفلة صغيرة ، لا زالت تستلقي فوق العشب الرطب ، باحثة عن رسوم السحب ، تضحك لصغائر الأشياء ، وتبكي لذلك أيضاً . تجيد الرقص بخفة على موسيقى الحياة . أنا عقل امرأه ، وقلب صبيه .


أنا الفتاة – ربما الوحيدة – التي تبدأ كتاباتها لشيء وتنهيه لشيء آخر . 

الثلاثاء، 5 نوفمبر 2013

دع الخلق للخالق ، واهتم بنفاصيل حياتك .








اسحب لك كرسياً واجلس لتسمع الجمل التي رسمتها هنا ، والتي للأسف معظمها يبدأ ب لا الناهية وأفعال الأمر التي كنت أكرهها جداً في صفوف النحو . فالكل منا لا يحب أن ينهى عن شيء يفعله ، ولا يأمر بشيء لم يتبادر إلى عقله العمل به ، ولا يطيق أن تستخدم لا في جمل النهي ، ولا الأفعال على وزن افعل في الأمر مباشرة ، وقد تزيدنا عناداً فيما طلب منّا ، فالكل حر بما يفعل .
 لكن حينما تكون الأشياء التي ضممتها هنا تحفظ لك حقوقك وتبقيك بعيداً عن حقوق الآخرين ، هل ترى ستبتلعها ، أم ستبقي الملعقة بعيداً بأي حجة كانت . لنرى .. 
حينما تكون صاحب أو صديق فلا تحشر نفسك بين ملفات الآخرين ، ولا تجعل من نفسك معلقاً ضاحكاً على كل قرار يتخذونه ، واعلم يقيناً بأنهم لم يجعلوا من كتفك متكأ حينما اتخذوه ، ولا ينتظرون تعليقك ولا تقييمك ولا صوت قرقعة خوف أو غيرة تصدر من حلقك ، أحب لأخيك ما تحبه لنفسك ، واغضض بصرك عن حاجياتهم كما تخفي حاجياتك عنهم ، دعهم يكملون طرقاتهم ولا تنثر حجارة مسمومة على أراضي آمالهم ، لا تذبل حصاد سنوات قادمة ،لا تكن الغربان التي تأكل ولا تشكر ، تدمر ولا تهتم ، فقط تملأ الجو بنعيقها . ولا تضع تاج الكبر فوق رأسك معتقداً بأنك الأفضل لأنك قفزت شبراً قبلهم ، فالذي سهل لك القفز قادراً على جعلهم يمشون فوق أنفتك ، قوّم لسانك ودربه على ترك طريق الاعوجاج ،نقي ونقح كلماتك قبل أن تنطق ، فكر في أن أحد الذين يجلسون أمامك قد تجلده بسوط لسانك لسبب ليس لك شأن فيه ، فكر في أنك قد تجعل منه وحيداً ، و ربما في حالات سيئة تسرق منه لطفه و جمال عقله . لا تسرق منهم نجوم ليلهم ، ولا تزاحمهم فيما يحبونه جداً ، ولا تخنق سعادتهم ، ولا تقارن نفسك بما عندك وسلب منهم ، لا تجعلهم سبايا عقلك بعد حرب قمت بها أنت ضد نفسك ، لا تجعل من عقلك سجناً صغيراً ضيقاً ،تغاضى و اغفل واحجب ناظريك . حسن نواياك وصفها تصفى لك دنياك . فكر فينفسك وما اعددت لها ، اصنع لك طريقاً خاصاً ، لا تزعج من حولك بوقع خطواتك وأنت تلحق بهم ، ارفع ثوب اليأس ولا تتعثر به ، اشغل نفسك بمستقبلك ، حسّن ستارته قبل أن تفتحها وارسم طريقاً سوياً يوصلك إلى لقاء حسن بربك ، واملأ صحيفتك بما يبهجك ، ولا تحقر من الخير شيئاً ، وداوم على الخلق الحسن والكلمة الطيبة ، واجعل نفسك مرآه لما تعلمت وما ربيت عليه ، ولا تخيب ظن من أحبوك ، واجعل هذه السنة أفضل ممن سبقوها بالإحسان .

الأحد، 1 سبتمبر 2013

روح الحب لا تفنى ولا تموت












إيقاظ المشاعر من جديد مؤلم جداً ، يخرج من داخلك شخصاً هشاً ينكسر من أول لقاء ، يلقي أمامك وحش الشوق والحاجة ليمضغ كبريائك بقبح واضح ، يلغي فكرة الاعتياد والنسيان من مخيلتك ، ويقتلع منك روحك الجديدة - في حال ملكت واحدة - ويلبسك القديمة بعد أن أضاف عليها ضعف أكثر . 
الدموع التي نسكبها في اللقاء الأول بعد الرحيل لا تشبه شيئاً ولا نستطيع وصفها ، ولا ندري لما ذرفناها في تلك اللحظات ، ربما تنظف ما بقي منهم دواخلنا ، وربما تعيد لهم مجدهم من جديد ، وربما هي ذيل فستان الروح الراقصة من الألم . 

 مارينا ابراموفيتش فنانة الأداء * المشهورة التقت في عام 1976 ب يولي الذي يماثلها مهنة , وعاشا قصة حب جميلة امتدت حتى عام 1988 ولم تساعدهم الظروف على إكمال مسيرتهما معاً ، لم يكن فراقهم عادياً ، فضلا أن يتلقيا في سور الصين العظيم للوداع بعد أن يقطعا قرابة 2500 كيلو متر ، حيث بدأ يولي رحلته من صحراء جوبي ، وهي اختارت البحر الأصفر بدايتها ، وحينما التقيا اكتفيا بقول " وداعاً " بعد أن وضعا حد لا ينسى لنهايتهما معاً .
في عام 2010 ، وبينما كانت مارينا تمارس مهنتها في أحد المتاحف ، حيث اختارت أن تجلس صامتة لمدة دقيقة واحدة أمام كل غريب يجلس أمامها في عرض أسمته " The artist is present " التقت يولي .. شاهد ما الذي حدث .. 




أذا لم يظهر المقطع إضغط هنا 

لم تفضل مشاعرها الصمت مطلقاً .. 




* فن الأداء