الأحد، 17 مايو 2015

بلغ أشده











تمضي السنوات ونركض في طرقات الحياة لاهثين ، متجاهلين كل التغيرات والأحداث التي تحدث من حولها ، نقف في مرحلة ما فنرى انعكاس أنفسنا الذي تغير كثيرًا . لدرجة أننا قد تقف وتتساءل من أنا ؟ وكيف أصبحت هكذا ؟ أين وضعتني آخر آخر مرة أو بالأصح أين أضعتني ؟ لا ندري ما هو الانعطاف الذي حدث معه كل هذه التغيير ، ولا في أي نقطة من الحياة كبرنا ! جل ما نعرفه أنه – مثلًا – الأشياء التي كنت أحبها قبل سنة أصبحت لا تهمني . أكره شعور الكبر ، و التخلص من صغائر الأمور وتوافها ، أخشى أن تعلقني الحياة على جدران أمور لا أطيقها ، أن أبدو كلوحة لم تناسب المكان .

قد يكون الضحك والسخرية من أرواحنا السابقة الطفولية ما يجعل الأمر هينًا على الجميع ، ربما لبعد المسافة أو لمرور الكثير من الوقت ، لكن المبكي فعلاً هو أن تدرك أنك تغيرت عن البارحة فقط ، وأنك تحن لنفسك التي بالأمس . عظامك الهشة لا تستطيع أن تحمل ثقل اخترته بنفسك اليوم ، عقلك يتضخم وقلبك لا يزال لينًا ، يحدث الكثير من التصادم بينهما . القلب لا يكبر سريعًا وهو ما يتعبني جدًا .

الطفلة الموءودة التي بداخلنا ، ما ذنبها حين قتلت . كانت لا تزال ترى الدنيا بسيطة سهلة ، حقولها واسعة ـ تلعب فيها راكضة بلا ملل ، أفكارها الصغيرة الجميلة تتوسد معها ليلتها . هل من اللازم أن يحين وقت ونقذف بروحنا الصغيرة خارجًا ؟ أن تقيئها كلما أسقتنا الحياة كبرًا ؟ ألا يكل الواحد منًا من عمره ؟ هل يوجد لحظة ما في حياتي القادمة تجعلني أود أن ابتلع روحي من جديد ؟ لم ولن يصمد الكبار كثيرًا .



الاثنين، 22 سبتمبر 2014

أنا لا أتذكر ، لكنني لم أنس !




قرأت لأحد المغتربين قبل مدة فكرة أعجبتني , تتلخص في أنه يمتنع عن الحديث باللغة العربية مع صديق في حال وجود صديق أجنبي آخر , وكانت نيته هي ألا يقع في قوله صلى الله عليه وسلم لا يتناجى اثنان دون الثالث . أحببت فكرته وكيف أنه نقل للعالم الآخر رأفة الإسلام و ومراعاته ، حينها تذكرت موقفاً مشابهاً حصل لي , ربما يتشابه معه بالمقلوب . حيث أذكر انني حينما كنت في الصف الأول الثانوي – وفي ذلك الوقت كنت ضعيفة جداً في اللغة الإنجليزية – كنت أركب الحافلة للذهاب إلى منزلي وقد تعرفت على بعض الزميلات هناك . وفي يوم صيف حار أذكره جيداً , كنت أجلس مع اثنتين من تلك الزميلات نتحدث محاولين قتل الوقت للوصول إلى منازلنا سريعاً , وقتها تكلمت إحداهما بالإنجليزية مخاطبة الأخرى , مع علمها المسبق بأنني أجهل تماماً ما تقوله عندما نستثني بعض الأفعال والحروف . باختصار كانت تريد التحدث بموضوع خاص أمامي ولا تريدني أن أسمعه وفي نفس الوقت تريدني أن أعلم بذلك . أين هو الإسلام هنا ؟
وقتها كنت أنقل ناظري بينهما بماذا أقول ؟ تعجب ! استنكار ! أم أكتفي بنظرة احتقار صغيرة مكسورة , حينها فقط عرفت لمَ نهى حبيبنا عن هذا الفعل المؤذي جداً . أحسست بأنني وحيدة .. وحيدة جداً , التفت ناحية النافذة أوزع ناظري على أماكن شتى , تخترق مسامعي كلمتهم الإنجليزية المتعجرفة . بعد فترة ليست بالقصيرة سألتني صاحبة الموضوع بابتسامة غبية : ليلى ! هل أخطأنا بحقك ؟

لا أدري أين الحماقة , هل هي في صيغة السؤال ؟ أم في أنها نطقت بالسؤال ؟ ولأنني كنت لا  أريد أن أزيد الموقف حماقة قلت : حينما ترضين بما فعلت لا تهتمي بما سيفكر به الآخرون .
ما الذي يجعلنا نتمسك بأصغر الأشياء حينما نريد أن ندعو أحداً للإسلام , أو حينما نريد أن نبين لأحد جمال الإسلام , بينما يختلف الأمر تماماَ حينما نتعامل مع مسلم آخر . ربما بحجة أنه مسلم ويعرف مسبقاً كلا حديث وكل آية ؟ أعلم بأنني إذا ساعدت أحدهم على الوصول إلى طريق ديننا المستقيم فأنني سأنال أجراً كأجره تماماً , لكنني أيضاً أعلم بأن المسلم من سلم المسلون من لسانه ويده ، فنحن أولى أن نعامل بديننا قبل أن نعامل غيرنا . فربما أن الحجة السخيفة التي ذكرتها أعلاه هي من تجعلنا أكثر ألماً , حينما أعلم بأنني وأنت على دين محمد صلى الله عليه وسلم وفعلت ما نهى عنه تكون أكثر فتكاً . دائماً نتجاهل صغائر الأمور ، ونفكر بالأشياء التي نحسب بأنها سوف تدخلنا الجنة لعظمتها بالرغم من أن الدين فصل ويسر وسهل كل شيء للوصول إلى رحمة ربي وجنته ، لكننا نحب تعقيد الأمور وتقليبها . فهل أصبت حينما قلت بأن موقفي يشابه موقف المغترب ولكن  بالمقلوب ؟

وبالنسبة لزميلتيّ فبعد أن أستبعد جمال الإسلام الذي شوهتاه , فسبب تذكري لهذه القصة معلومة صغيرة قرأتها في مكان ما في عالم شبكات التواصل الاجتماعي تقول بأن نسبة لا أتذكرها من الناس سيئة في حفظ ملامح الوجه ولكنها تتذكر المواقف تماماً ، وصادف أن أكون أن قد أدرجت تحت هذه النسبة ، حيث أنني لا أذكر وجه دانه أو وجه أثير , لكنني أذكر تفاصيل تلك اللحظة جيداً . فمن باب أولى أن نحسن مواقفنا قبل أن نحسن ملامحنا , لنحافظ على ما يتذكره الآخرون بعد رحيلنا . 

الأربعاء، 16 أبريل 2014

قصة قصيرة












أجلس على ذات الكرسي كل يوم ، هاربة من ملل المكتب وروتينية الأوراق ، أحاول تجديد روحي بهواء نقي من حديقة كبيرة ، وربما ذلك السبب الأكبر في منحنا استراحة للغداء . ألقيت برأسي إلى يدي متفحصة العالم من حولي ، مترقبة ومنتظرة ذلك الحدث . وبالفعل سمعت أصواتهم قادمة من آخر الحديقة ، يتهافتون ويركضون حاملين معهم كراساتهم وألوانهم ، يتسابقون إلى المكان الذي اعتادوا أن يلتفوا حوله .عدلت من جلستي أراقبهم بابتسامة ، يصفون ماعكره العمل كل يوم ، ويجعلونني أعود إلى مكتبي بروح أخرى . ثم هاهو يتبعهم بساقيه الطويلتين ، يرسم على شفتيه أجمل ابتسامة رأيتها في حياتي . جلس إلى جانبهم واضعاً أغراضه على جنب ، ثم بدأ يعد اسمائهم متأكداً من وجودهم جميعاً كما يفعل دائماً .

ما الأكثر لطفاً ورقة من أن تكون مدرس رسم وفنون للأطفال ، وتجد أن ملامح وجهك تجيد لعب ذلك الدور باحترافية ، عيناك صغيرة باسمة ، وأنفك طويل مدبب ، وشعرك ذهبي حريري ، حتى نظرتك كانت مبتسمة . كنت تبعث السعادة للحديقة بأكملها ، وليس إلى قلبي فقط .

رفعت ساعتي إلى ناظري حتى أحسب الوقت الذي أستطيع فيه أن أتأمل هذا المنظر السعيد المصغر أمامي ، وأرى انبطاح طلابك الصغير يملئهم الحماس لرسم أشياء خيالية لا تمت للحديقة بصله . ويبدو أنني أملك وقت كافياً .

لا أمل من تكرير هذا الحدث كل يوم ، وأنا أراك ترتدي القميص الأحمر في الأيام الثلاثة الأولى ، ثم تستبدله في اليومين الأخيرين بالقميص الأزرق الذي أعشق . لا أمل من سماع صوتك وأنت تنهر أحدهم من العبث بألوان الأخر ، أو أن تمسك بأيديهم الصغيرة محاولاً أن تقوم خطوطهم المتعرجة . لا أمل من تأمل شعرك الذهبي يراقص الرياح بسعادة ، ثم يسقط ليضم عينيك بخجل . بالرغم من أنني أكره الروتينية جداً ، لكنني أحببت تكريرك لقمصانك ، وعدم تغيير تسريحة شعرك ، وحتى أنك تكرر ذات الابتسامة كل يوم .
فقط في هذه اللحظة من كل يوم عمل أتمنى أنني أمتلك الجرأة التي تقودني إليك ، أن أضع ما في قلبي بين يديك ، وأن أجعل تكمل رسم حياتي معك . فقط في هذه اللحظة أريد للعالم أن يتوقف ، وبدون كذب سأجلس كل عمري أشاهد هذا المشهد أمامي ، سأعيش على ملامحك ، وأقتات على ابتسامتك .

في كل مرة أتوق للذهاب إليك ، وأخشى أن تسحرني بردة فعلك ، فأرى صدك لي شعراً جميلاً ، وفي أسفك لوحة فاتنة ، فينتهي بي الحال إلى لوم نفسي . أتوق لأعرف ، وأخشى ذلك .  


أمنيتي الصغيرة هي أن تكون على علم بوجود الفتاة الخرقاء التي تنتظرك كل يوم ، وتدعي بأن مكتبها ممل وأوراقها روتينية . 

الأربعاء، 12 فبراير 2014

أغرق ..!














أنا لا أجيد السباحة ..
أتخبط بين أمواج الحياة صارخة محاولة أن أتمسك بيد العون التي تمد إلي ، أحاول الغناء حتى تهدأ تلك الأمواج ، بالرغم من أنني لا أجيد الغناء ولا أملك صوتاً جميلاً ، ولا أحفظ من الأغاني الكثير ، ودائماً ما أجد نفسي في وسط البحر عاجزة عن الوصول إلى اليابسة ، وكل ذلك بسبب أنني ركبت قارباً صغيراً جداً تافهاً أوصلني إلى هناك .

أنا لست حزينة ، ولا أحب الحزن ، ولا أقترب من الحزينين أبداً ، أنا مجرد شجرة قصت أغصانها اليابسة ، وراحت تسقي نفسها من جديد بأسى ، أعلم بأن في داخلي ثماراً تنتظر شمساً لتزهر وتنبت وتينع ، أعلم بأنني شجرة جذورها عميقة ،  أصلها طيب وفرعها في السماء ، تحتاج إلى الوقت فقط .

أعترف ، بأنني لا أجيد الصبر والانتظار ، وأعلم بأن في داخلي ناراً ، وأطراف أصابعي دافئة في كل فصول السنة ، وبأنني أثور في ثانية ، وأهدأ في أخرى ، لا أجيد الوقوف في وجه عاصفة الذكريات وأسقط سريعاً ، أحمل فوق رأسي جرساً يدق دائماً ، أنا قرية ريفية ، داخل مدينة صخبة  ، يحفها ضجيجها ولكن لا يعكر صفو سكاني .

بالرغم من أنني لا أجيد السباحة ، إلا أنني أجيد الركض جيداً في مضامير الحياة ، أواكب الزمن وأجري لاحقة بمستقبلي ، أرسم على جدران الزمان رسوماً ستذكر من سيأتي بعدي ، خرائط وقصائد ، أسهم وإشارات . ألون الحياة ولا أحبها داكنة أو مفرغة ، وأحمل ألواناً كثيرة ، بعض منه صنعته ، والبعض الآخر استعرته ، أدور مع الكرة الأرضية ولا أنكر ولا استنكر ، في داخلي طفلة صغيرة ، لا زالت تستلقي فوق العشب الرطب ، باحثة عن رسوم السحب ، تضحك لصغائر الأشياء ، وتبكي لذلك أيضاً . تجيد الرقص بخفة على موسيقى الحياة . أنا عقل امرأه ، وقلب صبيه .


أنا الفتاة – ربما الوحيدة – التي تبدأ كتاباتها لشيء وتنهيه لشيء آخر . 

الثلاثاء، 5 نوفمبر 2013

دع الخلق للخالق ، واهتم بنفاصيل حياتك .








اسحب لك كرسياً واجلس لتسمع الجمل التي رسمتها هنا ، والتي للأسف معظمها يبدأ ب لا الناهية وأفعال الأمر التي كنت أكرهها جداً في صفوف النحو . فالكل منا لا يحب أن ينهى عن شيء يفعله ، ولا يأمر بشيء لم يتبادر إلى عقله العمل به ، ولا يطيق أن تستخدم لا في جمل النهي ، ولا الأفعال على وزن افعل في الأمر مباشرة ، وقد تزيدنا عناداً فيما طلب منّا ، فالكل حر بما يفعل .
 لكن حينما تكون الأشياء التي ضممتها هنا تحفظ لك حقوقك وتبقيك بعيداً عن حقوق الآخرين ، هل ترى ستبتلعها ، أم ستبقي الملعقة بعيداً بأي حجة كانت . لنرى .. 
حينما تكون صاحب أو صديق فلا تحشر نفسك بين ملفات الآخرين ، ولا تجعل من نفسك معلقاً ضاحكاً على كل قرار يتخذونه ، واعلم يقيناً بأنهم لم يجعلوا من كتفك متكأ حينما اتخذوه ، ولا ينتظرون تعليقك ولا تقييمك ولا صوت قرقعة خوف أو غيرة تصدر من حلقك ، أحب لأخيك ما تحبه لنفسك ، واغضض بصرك عن حاجياتهم كما تخفي حاجياتك عنهم ، دعهم يكملون طرقاتهم ولا تنثر حجارة مسمومة على أراضي آمالهم ، لا تذبل حصاد سنوات قادمة ،لا تكن الغربان التي تأكل ولا تشكر ، تدمر ولا تهتم ، فقط تملأ الجو بنعيقها . ولا تضع تاج الكبر فوق رأسك معتقداً بأنك الأفضل لأنك قفزت شبراً قبلهم ، فالذي سهل لك القفز قادراً على جعلهم يمشون فوق أنفتك ، قوّم لسانك ودربه على ترك طريق الاعوجاج ،نقي ونقح كلماتك قبل أن تنطق ، فكر في أن أحد الذين يجلسون أمامك قد تجلده بسوط لسانك لسبب ليس لك شأن فيه ، فكر في أنك قد تجعل منه وحيداً ، و ربما في حالات سيئة تسرق منه لطفه و جمال عقله . لا تسرق منهم نجوم ليلهم ، ولا تزاحمهم فيما يحبونه جداً ، ولا تخنق سعادتهم ، ولا تقارن نفسك بما عندك وسلب منهم ، لا تجعلهم سبايا عقلك بعد حرب قمت بها أنت ضد نفسك ، لا تجعل من عقلك سجناً صغيراً ضيقاً ،تغاضى و اغفل واحجب ناظريك . حسن نواياك وصفها تصفى لك دنياك . فكر فينفسك وما اعددت لها ، اصنع لك طريقاً خاصاً ، لا تزعج من حولك بوقع خطواتك وأنت تلحق بهم ، ارفع ثوب اليأس ولا تتعثر به ، اشغل نفسك بمستقبلك ، حسّن ستارته قبل أن تفتحها وارسم طريقاً سوياً يوصلك إلى لقاء حسن بربك ، واملأ صحيفتك بما يبهجك ، ولا تحقر من الخير شيئاً ، وداوم على الخلق الحسن والكلمة الطيبة ، واجعل نفسك مرآه لما تعلمت وما ربيت عليه ، ولا تخيب ظن من أحبوك ، واجعل هذه السنة أفضل ممن سبقوها بالإحسان .

الأحد، 1 سبتمبر 2013

روح الحب لا تفنى ولا تموت












إيقاظ المشاعر من جديد مؤلم جداً ، يخرج من داخلك شخصاً هشاً ينكسر من أول لقاء ، يلقي أمامك وحش الشوق والحاجة ليمضغ كبريائك بقبح واضح ، يلغي فكرة الاعتياد والنسيان من مخيلتك ، ويقتلع منك روحك الجديدة - في حال ملكت واحدة - ويلبسك القديمة بعد أن أضاف عليها ضعف أكثر . 
الدموع التي نسكبها في اللقاء الأول بعد الرحيل لا تشبه شيئاً ولا نستطيع وصفها ، ولا ندري لما ذرفناها في تلك اللحظات ، ربما تنظف ما بقي منهم دواخلنا ، وربما تعيد لهم مجدهم من جديد ، وربما هي ذيل فستان الروح الراقصة من الألم . 

 مارينا ابراموفيتش فنانة الأداء * المشهورة التقت في عام 1976 ب يولي الذي يماثلها مهنة , وعاشا قصة حب جميلة امتدت حتى عام 1988 ولم تساعدهم الظروف على إكمال مسيرتهما معاً ، لم يكن فراقهم عادياً ، فضلا أن يتلقيا في سور الصين العظيم للوداع بعد أن يقطعا قرابة 2500 كيلو متر ، حيث بدأ يولي رحلته من صحراء جوبي ، وهي اختارت البحر الأصفر بدايتها ، وحينما التقيا اكتفيا بقول " وداعاً " بعد أن وضعا حد لا ينسى لنهايتهما معاً .
في عام 2010 ، وبينما كانت مارينا تمارس مهنتها في أحد المتاحف ، حيث اختارت أن تجلس صامتة لمدة دقيقة واحدة أمام كل غريب يجلس أمامها في عرض أسمته " The artist is present " التقت يولي .. شاهد ما الذي حدث .. 




أذا لم يظهر المقطع إضغط هنا 

لم تفضل مشاعرها الصمت مطلقاً .. 




* فن الأداء 

الجمعة، 28 يونيو 2013

(بدون عنوان)










عقاب ، معاقبة ، يعاقب ، معاقبون ، عاقبة .

ترددت هذه الكلمة في عقلي كثيراً في الأيام الماضية ، حتى بت غير قادرة على النوم ، أخنق ذاكرتي بوسادتي لعلها تموت لكن بلا فائدة . أعلم مصدرها ، و لا أدري إن كان هذا المصدر يعاقبني فعلاً أم لا ، ربما ما في الأمر أنني أعاقب نفسي على فعلٍ لم أقم به ، وعلى ذنب لم أرتكبه ، وعلى جريمة لم أقترفها . أعي ذلك كله ، أدرك أنني في الحقيقة مجرد قلب كبير لا يحفظ تواريخ ميلاد من يحب ، ولا يجيد استحضار أرواح الذكريات ، قلب كبير لا ينسى عيون أحباءه ، يحفظ أسمائهم ، يخبئ لهم في مساحته الكبيرة مشاعر لا توصف ، روابط لا تنفك ، و أمنيات صغيرة . لا أدري إن كنت أعاقب نفسي على ذلك القلب أم لا ، أم أنني أضع نفسي في مكان الظالم دائماً حتى لو كنت ممن سلط عليهم سوط الظلم كما قالت صديقتي المقربة جداً .


حلمت اليوم أنهم سيقصون رقبتي ، ولأول مره لم أهتم ، لم أخف ، لم أفكر في عاقبة الأمور ، لم ألتفت ناحية البشر ، لم أشعر بأني قلبي كبير ، لم أحس به يدق ، فكرت فقط بأخطائي مع الله ، دعوته كثيراً ، بأن يغفر ويعفو ويرحم ، ذلك ما تزاحم إلى عقلي فقط ، حينما استيقظت ، كان الألم لا يزال معلقاً خلف رقبتي ، وكأنه يذكرني بأن الدنيا صغيرة ، حقيرة ، فانية ، مجرد درب . كان حلم بمثابة رسالة ، رسالة قرأت فيها بأن البشر يخطئون ، يرتكبون حماقات ، يحبون ، يكرهون ، يتمردون ، يعاقبون – تزاحم هذه الكلمة عقلي كثيراً كما قلت - ، لكنهم في النهاية مجرد بشر . وأنا لم أخلق من نار ولم أخلق من نور , ما أنا إلا بشر مثلكم ، لا تعلقوا أخطاء المشاعر على عاتقي ، لا تعاقبوني ، لا تأكلوا مساحات قلبي التي منحتها لكم ، ذروني أعيش ، بلا تفكير ، بلا عقاب ، ذروني أعيش ك ليلى التي ما زالت لا تحفظ تواريخ ميلاد من تحب . 

الأحد، 7 أبريل 2013

علمتني أمي !















، 
 تدوينة كتبتها سابقاً ، و أزلتها رغبة في كتابتها من جديد والمشاركة بها في ملتقى رؤى شبابية المقام من قبل الندوة العالمية للشباب الإسلامي 
وقد نلت المركز الأول في المسار الأدبي على مستوى جامعات الرياض للبنات ولله الحمد ..











في حينا القديم ، اعتادت والدتي أن تحيك بعض الملابس لجاراتنا ، وتعلم بناتهن أسسها ، كنت أجلس إلى جوارها ومستندة إلى مكينة الخياطة التي باتت تصدر صوتاً مزعجاً من أثر الخرف غير مبالية بما تقول وما يفعلن من بعد توجيهاتها ، عرفت أن أمي هي الأشهر في الحياكة من بين نساء الحي ، وعلمت أيضاً أنني الأسوأ فيها من بين بناته . لم تكن أمي تريد لأحد أن يخلفها سوى ابنتها ، وكأنها تريد صنع أجيالاً من هذه الحرفة السخيفة . سلكت كل الطرق ، وجربت كل الأساليب حتى تستطيع جذبي إلى مهنتها .  وكالعادة كلنا نخسر أمام أمهاتنا .



طارت أمي عن طريق الواقعية، تركت مكينتها وحلقت في سماء الخيال، اختارت من الأحلام درس لي في الغزل والنسيج ، في كل يوم وبعد أن يذهب الجميع ، تخصني أمي بتلك الدروس ، وكبداية أي شخص ، اخترت الأشياء الصغيرة لأحيكها ، قبعات تزيدني في المعرفة طولاً ، وجوارب ترفعني إلى العلم درجة ، لم أكن جيدة بالتأكيد ، فلا أخفيكم أن بعض منها كان بمقاسات مختلفة ، أو بألوان غير متناسقة ، والبعض منها قد أصابني بجروح في يدي كنت أستحي سابقاً من إظهارها للعلن ، اعتقدت حينها أن الفشل في حياكة الأحلام أمر مخجل .



كبرت وخذلت أمي ، واخترت غزل الأحلام مهنة لي ، وتسلمت مكانها في تعليم المبتدئين ، تعددت قطعي ، وتغيرت غرزي ، وزاد عدد الجروح في يدي ، حتى جاء اليوم الذي قررت فيه أن أحيك الفستان الذي سأزف فيه نحو مستقبلي، اخترته أبيض نقياً، بذلت مجهوداً في حياكته وتهيئة الوضع لإتمامه علقته في خزائن الأيام حتى تحين ساعته ، لا أنكر أني في كل وقت أفتح تلك الخزانة إما تأملاً فيه حتى يزيدني إصرار وقوة أو لأضيف عليه بعض الغرز واللمسات التي تعلمتها.لم أمله ولم يصبح بالياً عتيقاً في نظري بتاتاً، كنت أتباهى به و أخبرت الجميع بإنه سيأتي ذلك اليوم الذي سيرون فيه فتاة قد ارتدت أحلامها.



وبالفعل جاء ذلك اليوم متمختراً،وانزلق فستاني على جسدي مغطياً عري الأيام المؤلمة التي عشتها،كنت فخورة بنفسي ومغرورة، وتكبرت قليلاً. كنت متلهفة للخروج به للعلن حتى أتباهى به.لكن صدمتني ملابس الواقع، اختلف الناس عني مظهراً ولباساً، مزقوا حلمي، اخروجني من دائرة الأحلام المحققة، نفوني من أرضهم لتهمة لم أعرف سببها.



عدت إلى أمي باكية، مستفسرة، لم أقترف ذنباً ولم أسلك للحرام طريقاً ، لم أنتهك حرمات ربي يا أمي ، ما الخطأ فيما ارتديته . ضمتني أمي ناحيتها و قالت مطبطة على ظهري ، فستانك يا ابنتي محرم اجتماعياً ، تصميمه شيء يدعى بالعيب .


الجمعة، 8 فبراير 2013

هم أرفع منزلة من العتب









عشت في بيت صغير دافئ منذ الصغر ، علقت أحلامي وأمنياتي الصغيرة على جدرانه , تنفست رائحة طلاءه وكبرت متعايشة على طوبه ، كان لي الأمن والأمان ، بالنسبة لي كان ذلك البيت هو حياتي بأكملها .ازددت طولاً فاتسع البيت من جميع الجوانب .
خلقت لي من الزوايا أصدقاء ، أحاكيها و أستند إليها ، أرمي همومي بداخلها ، وأجعلها المخبأ الوحيد لدموعي وأسراري . تمدني بالقوة ان فقدتها ، تمنحني الحنان إن أضعته ، ترسم لي طرق النجاح باستمرار . أحببت تلك الزوايا كثيراً وقسمت روحي بيتها بالتساوي .
كانت صوتي عند الحاجة ، ومعازفي عند الغناء ، كانت بحة صوتي حينما أبكي، وساعدي حين العمل ، وقدماي في وقت القفز نحو المستقبل .
فماذا لو أن إحدى هذه الزوايا خانتني ، و كتمت صوتها ، أو لم تقلم أظافرها ، أو أنها أجبرتني على السقوط وقت القفز . ماذا لو أنها كانت سبب حاجتي ، أو أنها قوست فمي نحو الأسفل .
ما ردة الفعل المناسبة لقطيعة الواصلين ، أو جرح من الطيبين ، أو خدش ثقة القريبين ؟




الثلاثاء، 15 يناير 2013

رسائل خجله









لمَ دائماً نحاول البحث عن أشخاص يشابهون أحد قد أحببناه ؟! هل نحن متيقنين أننا سنعطيهم ذات المحبة التي كنا قد وهبناها سابقاً ؟ أم سنرمي بهم في ممرات الحياة بعد أن ندرك أن ما كنا نبحث عنه في الحقيقة لم يتواجد فيهم رغم لطفاتهم ؟ أم أن العكس أصابنا بالرعب من كره الذين سبقوهم بالإحسان ؟

وهذا الذي حدث لي معك يا سيدتي ، حينما اخترتك من بين الجميع لأنك شابهتي السابقة في تقاسيم وجهها ، ظلمتك ! أعلم ذلك ، وأعلم أني بذلك ظلمت نفسي وقتلتها بعدد المرات التي أدمعت عينيك فيها . وأرجو الله أن لا أكون قد قتلت نفسي كثيراً .

لا أدري كيف تملكتني الجرأة لأتكلم و أبوح بما يجول في خاطري من ندم وأسف ، ربما أردتك أن أعود لمكانتي السابقة لديك ، أو لأنني تذكرتك حضنك الدافئ حينما لممتني إليك باكية ، متسائلة عما يجري للحبال التي بيننا ، وما سبب اهترائها . أتعلمين في ذلك اليوم ، كرهت نفسي حتى وددت لو أن أقدمها لك سبية المشاعر التي كانت بيننا ، أحسست بأني قد جمعت غباء الدنيا بأكمله ورسمته في داخل علاقتنا . صددت عنك لأسباب لا أعلم ماهيتها حتى الآن . لا أدري أي شيء قد قلب كياني في عشية وضحاها ، كرهت ما تقولين وما تفعلين ، كانت هي ذاتها الأشياء التي كانت تملئني ضحكاً . لا أعلم لمَ من طلاك بالأسود بعد أن لونتي حياتي بالأبيض . وليس لدي أي عذر لذلك القناع الشاحب الذي كنت أرتديه في كل مرة ألقاك فيها .
ليت أنني استطعت أن أنزع شعورك حينها . أو أنزع ذاكرتي وأعود لأعرفك من جديد وأحبك جديد أكثر بكثير . ليت أنك تغفرين لي خطايي التي لا تغفر ، وتمسحي على جبين من لا يعلم شيء ، وتنزعين مني برودة مشاعرك بوشاح طيبتك الذي أعرف .

قال لي رجل حكيم ذات مره " إذا نسي المحبين أخطاء بعضهم البعض ، فذلك هو الغلو الغفراني  " فهل استطيع أن أطلب منك ذلك ؟ أم أنك معتدلة في مشاعرك ؟




فاصلة نقية ،
أحببتك ، ولا زلت .



الأحد، 13 يناير 2013

لا زالت المدينة مظلمة .











ملؤها بأصبغة المداخن ، أصبحنا نجمع الهواء في كيس فارغ ثم ننقحه حتى نستنشقه .

تقوست ظهورنا من العمل في وظائف قذرة ، نخبز برماد قد اختلط به دقيق ، نكرهه عندما نعود لنشتريه ولا لنا حيلة غير أكله في غرف مظلمة . ونمسح الطرق بمياه عكره ، هي المياه ذاتها التي نغسل بها رقعنا ونستحم بها من أثر الرماد . ونبني البيوت من الوحل ،  وكل ذلك بثمن بخس ، تكلفة وأجرة . لم نرى الشمس منذ زمن ، وتشكل لنا الدخان على هيئة سحب ، وأمطرت لنا ماء أسود ، أنبت في زاويا المدينة شجراً تعفنت ثماره قبل أن يزهر .

أصبنا بقلة السمع والبصر ، وبحموضة في الحناجر ، وأٌوقد في شعبنا الهوائية جمراً حتى تخرقت . يسعل صغيرنا قبل كبيرنا ، والطبيب لدينا لا يجد من يعالجه ، وفي كل يوم نجمع في زاوية في آخر المدينة بقايا من صعدت أرواحهم ، ولا ندري من سيرمى جثة خاوية في تلك الزاوية غداً .
ولا ندري ماهي النهاية ، ولا كيف وصل الحال بنا إلى هنا .





الثلاثاء، 13 نوفمبر 2012

أملك صندوقاً من ( حنان ) ..









تعالوا حتى أخبركم ما الذي يوجد في صندوق الحنان الذي أملكه ..

حينما حصلت عليه أول مره ، لم أحببه قط ، ظللت أحاول التهرب منه ورميه في أعالي الرفوف . لم أكلف نفسي عناء البحث فيه أو فتحه . ظللت على هذا الحال مدة ليست بالطويلة . و في يوم عاصف سقط ذلك الصندوق أمامي بخفة ، لم يحدث ضجيجاً كما حدث مع باقي الحاجيات الموجودة بجانبي . جلست بعد أن عزمت على فتحه وتفقد محتوياته . كان يملك العديد من الأشياء الثمينة داخله .
على غطاءه كانت تعلق تميمة ضحك وفرح وخفة ظل ، تبعد الأحزان عنك مهما كان حجمها ، وبجانبها فانوس صغير أضاء لي المكان بأكمله ، فأبصرت الطريق جيداً ، وتحاشيت الحفر والأحجار . في الأسفل نثر الأمل والحب والطهر فوق العطاء ، و أماالخير فقد تكدس في زاويا الصندوق .
حتى الآن ، كل ماذكرته جزء يسير مما يوجد في الصندوق ، الجزء الذي استطعت أن أتعرف عليه أفهمه واستفدت منه .
أعلم أن الكثير من الجمال يقبع داخل فيه ، وأعلم بأنني لن أحتاج لصناديق أخرى ما دمت أملك هذا بين يدي . أحببته وألفته وبت لا أستطيع المشي والركض نحو مستقبلي بدونه ، لازمني في كل أيامي ، وأصبحت أشتاق له في الأيام التي أجبر على التخلي عنه ، أصبح جزء لا يتجزأ مني ، لكنه لا يعلم ..!
ربي احفظه لي






الثلاثاء، 6 نوفمبر 2012

من أنت لتواجه أسامة ؟









سيسرقونه من بيتنا خمسة وأربعين يوماً ..



حينما كان يرتب حقيبته مستعداً للذهاب ، كنت أراه يحمل ضحكة البيت وفرحتها ويدخلها داخل الحقيبة . ألبسنا الفقد حينما كان يعانقنا مودعاً . خرج وقد لبس جاذبية خاصة جعلت البيت كله ينحني مستسلماً للحزن. وحالما أغلق الباب خلفه ، كان الشوق يجلس على عتبته .
أثق فيك يا أخي كثيراً ، وأعلم أنك ستدهش الجميع هناك ، لن يخلقوا فيك رجلاً كان قد صاحبك منذ صغرك ، ولن يزيدوا على ذهنك أشياء تعلمتها سابقاً . أخبرهم بأنك أنت ، أسامة أخي الصغير ، الرجل الذي يملك قلباً كبيراً ، وعقلاً مدبراً ، الرجل الذي سيحلق بسربهم بعيداً ، وسيلون سماءهم .
أخبرهم بأنك الرجل الذي لم يمش في طرق الحياة الغبية ، ولم يصاحب الذكور . و تأكد من أنهم علموا بأنك الأبن البار ، والأخ الطيب . والصديق الوفي .
 وفقك الإله ..

الثلاثاء، 4 سبتمبر 2012

تجارب فاشلة

















حينما يتحدث قلبي هامساً ، أحاول أن أنكب على وجهي متجاهلة ما يقول . أجعل أذني تتجاهلانه تماماً . لا أريد المزيد من تفاهات الأمور التي يرميها علي دائماً بفهمه الخاطئ ، أو بعاطفيته الساذجة . أصبحت أتعلم لغات أخرى ، وأتعلم المزيد من الكلمات الجديدة ، محاولة أن أزاحم لغة القلب .

بضع تجارب فاشلة أجبرتني على أن أكون أقوى ، أسلب من الهواء الخارجي بضع مساندات هشة ، أحاول التظاهر بعكس ما تظهره رجفة يدي ، أحاول خلق صدى حتى تختلط الحقيقة بالكذب , فأصبح وقتها لا أعرف أي الحقيقتين أصدق ، أو أي الكذبتين أتجاهل .!

لا أنكر أني بهذه الطريقة قد جنيت ثماراً يانعة ، واستطعت بها أن أثقل من وزن مطرقتي قبل أن أحكم . لكنني أيضاً لا أنكر أن القلب يصدق أحياناً .

حينما تعلق الأمر بشخص قريب ، كل تلك الطقوس التي كنت أحاول استخدامها مع قلبي فشلت ، حاولت أن أتجاهل ، أصرخ ، أضع أصابعي في إذني ، أحاول سلب الدنيا قوتها ، أحاول سلب يدي من رجفتها ، بلا جدوى ، أصبح القلب مسيطراً ، والعيون عبيد .

سابقاً – وأتمنى أن يظل سابقاً- كنت أقنع نفسي بأن القلب قد خلقه الله حتى ينضم مسيرة حياة فقط ، يضخ دم وأكسجين والمزيد المزيد من ثرثرة كتاب الأحياء ، لا علاقة له بالحب والصداقة والمشاعر الدافئة ، أحاول أن أصور لنفسي أن القلب لا يصدأ ، ولا يتآكل ، ولا يصبح فارغاً ولا مملوء بشيء ، لا يستطيع أن ينبئ ، ولا يستطيع أن يأمر وينهى , ليس له سلطة . و بموقف واحد ، انهار سد النظريات والمسلمات التي كنت أحاول أن أثبتها لنفسي ، لأبرر بها كذبي لاحقاً .

سلب مني النوم والعقل والراحة وقتها ، رجعت ضعيفة من جديد ، ليت أني ظللت على حالي الساذج السابق ولم أتغير ..!
لأن قلبي صدق هذه المرة ..


الثلاثاء، 7 أغسطس 2012

مهملات











أجبرتني والدتي كالعادة على ترتيب غرفتي التي تتراكم فيها الأوساخ 30 مره في الشهر ، وبعد أن جمعت الأشياء الكبيرة جلت برأسي باحثاً عن أي شيء أجمعها فيها ، رمقت علبة كبيرة تقبع فوق خزانة ملابسي ، شعرت برجفة حينما رأيتها ورأيت الألوان التي تغطيها ذكرتني بشيء قديم جداً ، رفعت يدي وسحبتها ناحيتي . احتضنتها وجلست على الأرض . كانت تحمل ذكريات مراهقتي بأكملها ، ذكريات تلك المرحلة التي لا أذكر منها سواكِ .!
صرت أجول بيدي وبصري وقلبي هنا وهناك ، بين رسائلكِ وبقايا عطركِ الذي تشبث فيها ، وبين تلكِ الهدايا الصغيرة التي أهديتني إياها في مناسبات مختلفة ، وبعض مخلفات ورد انقلبت ألوانها الزاهية إلى سواد منتحب . وبين بحثي اليتيم سقطت في يدي من بين جموع الذكريات تلك البطاقة التي وضعت فيها رقم بيتنا وكتبت فيها اسمي بخط عريض ورسمت فيها من القلوب لا يعد ولا يحصى بيد مراهق وقلب رجل . أذكر أنني أصبت بداء الحسد في الشهر ذاته ، حينما كنت كل يوم تتصلين ببيتنا لتسمعي صوتي فقط ، واكتفي أنا بصوت أنفاسك القريبة ، وأظل أردد كلمة وأخرى حتى أتيقن بأنك قد امتلأت مني . ولا أنكر أنني أحياناً لا أروي عطشك البريء بصوتي ، حيث أنهي المكالمة العقيمة لأن أحدهم قد مر بجانبي . أتراه كان خوفاً عليك وغيرة ؟! أم مجرد خوف من والدي أن يمنعني من تلقف أنفاسك السريعة من خلف الهاتف ؟!

ارتسمت على شفتي ابتسامة حزينة ، وأعدت قراءة الزمن وتاريخنا الساذج مرة أخرى ، شعرت بأنني قد خلقت من جديد ، وزرت معالم الحب ذاتها التي زرتها معك ، كانت خاوية ، أو ربما كانت ميتة ، قتلتني وإياها شر قتله . وتركتنا بضع مخلفات في أزقة العاشقين ، لا أنكر أنني كنت صغيراً وقتها ، لكن الجرح الذي خلفته في قلبي بات يكبر معي ، حتى أصبح قلبي غير صالح للحب .
لا يهم ، كل ما قلته لا يهم إطلاقاً ، لذا سحبت العلبة وعبأتها بالأوساخ الكبيرة التي كنت قد جمعتها .